التسامــــــح

التسامــــــح


تعريف: التسامح هو التجاوز عن الذنب والخطأ، وترك العقاب عليه.وهو الصفح والعفو والمغفرة.
تقديــــم: من طبيعة الإنسان أنه محكوم بقانون الضعف مصداقا لقوله تعالى:﴿وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ النساء28.
       وضعفه هذا يجعله يزل ويخطئ  في حق ذاته وفي حق غيره وفي حق ربه ،يؤكد هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :"كل بني آدم خطاء".
       هذه حقيقة من الحقائق التي  ينبغي على كل عاقل أن يعرفها،حتى لا يتصور الكمال في  الإنسان فالكمال يبقى  لله تعالى وحده.
       فالأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حق غيره يمكنها أن تخلق مشاكل وأزمات نفسية واجتماعية خطيرة وهذا ما يقوض حياة الإنسان ويجعلها صعبة للغاية.
     ومن أجل التعايش السلمي مع الناس والتغلب على هذه المشاكل والأزمات الناتجة عن الذنوب والأخطاء ،دعا الشرع الحنيف إلى التحلي  بخلق "التسامح" ،وهو من الأخلاق الإسلامية الحميدة الذي يمكن اعتباره باللحمة التي تشد الناس بعضهم بعضا.
      في موضوعنا هذا سنحاول التطرق إلى خلق "التسامح" من كل أبعاده وانعكاساته  الإيجابية على الفرد ومحيطه حتى يعتز به  ويتشبث به فيساهم في نجاحه وسعادته.
التسامح فطري ومكتسب:
فالتسامح فطري في الإنسان والدليل على ذلك أن الطفل الصغير يغضب ويتسامح في نفس الوقت .( ).
     وهومكتسب يكتسبه الإنسان من خلال مجاهدة النفس و معاشرة الأخيار والامتثال للتعاليم السماوية.
العفو من أسماء الله الحسنى:
فمن أسماء الله  الحسنى "العفو" و"الغفار"و"الغفور".
قال تعالى :﴿ إن الله لعفو غفور) الحج60
عن عائشة رضي الله عنها قالت :قلت يارسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ قال
صلى الله عليه وسلم :"قولي:اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"رواه الترمذي.
قال تعالى :﴿ألا هو العزيز الغفار ﴾الزمر5.
فالإنسان مهما بلغت ذنوبه وعظمت  إن تاب إلى الله  يغفرها الله له.
وقال تعالى:﴿و إني لغفار لمن تاب وءامن وعمل صالحا ثم اهتدى  ﴾طه82.
وقال تعالى:﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ،إن الله يغفر الذنوب جميعا ﴾الزمر53.
       فالإنسان ضعيف بطبعه  خطاء بفطرته ،ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :"كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي،فلو يؤاخذ الله الناس بذنوبهم لهلكوا جميعا. لكنه يعطي لهم الفرصة لعلهم يتوبوا إليه تعالى ويصلحوا ، قال تعالى :﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى،فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون ﴾   النحل 61.
وقال تعالى:﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويغفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون  ﴾الشورى25.
وقال تعالى:﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير     ﴾الشورى30.

العفو والصفح من أخلاق الرسل عليهم السلام.:

    حكى لنا القرآن الكريم مثالا رائعًا في قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- مع إخوته، بعد أن حسدوه لمحبة أبيه له، فألقوه في البئر ليتخلصوا منه، وتمرُّ الأيام ويهب الله ليوسف -عليه السلام- الملك والحكم، ويصبح له القوة والسلطان بعد أن صار وزيرًا لملك مصر.
       وجاء إليه أخوته ودخلوا عليه يطلبون منه الحبوب والطعام لقومهم، ولم يعرفوه في بداية الأمر، ولكن يوسف عرفهم ولم يكشف لهم عن نفسه، وترددوا عليه أكثر من مرة، وفي النهاية عرَّفهم يوسف بنفسه، فتذكروا ما كان منهم نحوه، فخافوا أن يبطش بهم، وينتقم منهم؛ لما صنعوا به وهو صغير، لكنه قابلهم بالعفو الحسن والصفح الجميل، وقال لهم: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
     وقال تعالى مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خطاب لكل مسلم: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾الأعراف199.
      فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"يا جبريل ما هذا العفو؟فقال:"إن الله تعالى يأمرك أن تعفوا عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك"أخرجه ابن مردوية بإسناد حسن .
      ويأمر الله عزوجل الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتجاوز عن اليهود الضالين في قوله تعالى:﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية،يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به،ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم،فاعف عنهم واصفح ،إن الله يحب المحسنين ﴾المائدة13 
       ولما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام صبيحة الفتح ووجد رجالات قريش جالسين مطأطئين الرؤوس ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لهم :"يامعشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم ؟"قالوا أخ كريم وابن أخ كريم ،قال :"اذهبوا فأنتم الطلقاء"،فعفا عنهم بعدما ارتكبوا من الجرائم ضده وضد أصحابه ما لا يحصى عده ،ومع هذا فقد عفا عنهم ولم يعنفهم ،ولم يضربهم ولم يقتلهم.

ملحوظة: لو كان الأمر يتعلق بملك من ملوك الدنيا ،لكان مصيرهم الإعدام.

العفو والتسامح من أخلاق المسلم:

      المسلم الحق يتخلق بأخلاق الله تعالى فلقد ورد في الأثر:"تخلقوا بأخلاق الله تعالى" ،ويتخلق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم.ويمتثل لتعاليم الشرع الحنيف.
      والتسامح غالبا ما يشق على النفس الإنسانية ، لذا نجد الحقد والبغض والكراهية والرغبة في الانتقام من السلوكات الشائعة والمنتشرة  بكثرة في نفوس الماديين وضعاف الإيمان .وهذه السلوكات يمكنها أن تمتد لفترة طويلة تستغرق  سنوات،.بينما المسلم التقي دائما نجد لديه الرغبة و الاستعداد للعفو والتسامح مستحضرا ثواب الله عزوجل وتعاليم الشرع الحنيف،ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".

التسامح ينعكس أساسا على الذات:

    اسمح يسمح لك واغفر يغفر لك ،هذا من إحدى قوانين الحياة ،فالجزاء من جنس العمل.
قال تعالى:( وليعفوا وليصفحوا ،ألا تحبون أن يغفر الله لكم ،والله غفور رحيم ﴾النور22.
      والصفح ينبغي أن يكون تاما وجميلا لا مجرد التظاهر بالتسامح حتى يتحرر الفرد من الشحنات السالبة التي تؤرق مضجعه وتنهشه من داخله.قال تعالى مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خطاب لكل مسلم:(فاصفح الصفح الجميل ﴾الحجر85.
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم"ارحموا ترحموا،واغفروا يغفر لكم" رواه مسلم.
     فالتسامح  يعمل على تحرير الفرد من المشاعر السلبية من حقد وبغض وأضغان لتحل محلها المشاعر الإيجابية،وهذا لمن شانه أن  يحقق له الراحة النفسية، فالمتسامح إنســـان سعيد ، هادئ البال ،  مطمئن القلب ،و طيب النفس.
     وفي المقابل فإن الفرد الذي لا يتسامح يعمل على إيذاء نفسه من خلال احتضان المشاعر السلبية في داخله والتي تعمل على نهشه وخلق الصراعات بداخله مما يجعله يعيش في حيرة وقلق واكتئاب.
      والمتسامح إنسان  محبوب يحظى بقبول اجتماعي  ،فلقد قالوا:"المسامح كريم"،وفي أمثالنا العربية :"العفو عند المقدرة من شيم الكرام".

      والعفو لا يزيد الفرد إلا عزا  ،ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:" ما نَقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزَّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" [مسلم].
فالعفو والتسامح يجعل الإنسان يكسب قلوب الناس ،وهذا لمن شأنه أن يغني شخصيته ويثري حياته ،في حين أن الانتقام يجعل الإنسان محط نفور وكراهية  ،فيعيش معزولا ووحيدا،فمن فقد شخصا فكأنما فقد جزءا من شخصيته.

التسامح يؤدي إلى الوحدة والتماسك:

إن جو الخصام والرغبة في الانتقام لا يمكنه إلا أن يعمل على تمزيق  العلاقات بين الناس ،بينما التسامح من الأخلاق الفاضلة التي تعتبر كاللحمة التي تشد الناس بعضهم بعضا ،فتجعلهم يعيشون في وحدة وتماسك.فالتسامح إذن ينعكس إيجابيا على المجتمع.
    والإنسان المسلم إنسان مسامح ،ويعمل على إشاعة خلق التسامح بين الناس من خلال التربية والتوعية والإصلاح بين الناس.
قال تعالى:﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)الحجرات10.
ومن أصلح بين الناس يجازيه الله بالأجر العظيم.
قال تعالى:﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ،ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾ النساء114.
والإصلاح بين الناس أفضل من صيام النافلة ومن صلاة النافلة ومن صدقة النافلة.فالنوافل يعود نفعها على الذات ،أما الإصلاح فيعود نفعه على المجتمع ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟إصلاح ذات البين،فإن فساد ذات البين هي الحالقة"رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح.

العفو من مرتبة من مراتب الإحسان:

فالعفو والتسامح مرتبة من مراتب الإحسان،ولنتدبر قوله تعالى:(وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله)الشورى 40.
فمن باب العدل أن يرد الإنسان الإساءة الإساءة بمثلها خصوصا إذا تكررت الإساءة من غيره ،وهذا يبيحه الشرع من أجل صون كرامته.
لكن ومن باب الإحسان أن يعفو الإنسان عمن أساء له وظلمه،ويؤكد هذا قوله تعالى :أ (فاعف عنهم واصفح ،إن الله يحب المحسنين ﴾المائدة13 .
ملحوظة: إذا رد الإنسان الإساءة بإساءة أكبر منها ،فهذا يدخل في إطار الظلم وهو محرم شرعا.

التسامح دليل على قوة الشخصية:

فالتسامح من صفات الأقوياء لا الضعفاء كما يتوهم الكثير من الناس. فالمتسامح إنسان قوي استطاع أن يغلب نفسه وهواه ،هذه هي قمة القوة،ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :"جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ،قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال :جهاد النفس".
وفي حديث آخر :"ليس الشديد(أي القوي) من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه" رواه مسلم.
وفي بعض الأدعية :"يارب علمني أن أحب الناس كلهم كما أحب نفسي وعلمني أن أحاسب نفسي كما أحاسب الناس ،وعلمني أن التسامح هو أكبر مراتب القوة وأن الانتقام هو أول مظاهر الضعف".

التسامح سبيل إلى العزة:

بعض الناس قد يزهد في العفو لظنه أنه يورثه الذلة والمهانة فقد أتى النص القاطع يبين أن العفو يرفع صاحبه ويكون سبب عزته. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله "رواه مسلم

التسامح سبيل إلى الجنة:

      عن أنس رضي الله عنه  قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ فقال : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي . قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته قال : يا رب لم يبق من حسناتي شيء قال : رب فليحمل عني أوزاري قال : ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم فقال الله تعالى للطالب : ارفع بصرك وانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ. لأي نبي هذا ؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه قال: يا رب ومن يملك ثمنه ؟ قال أنت تملكه قال: ماذا يا رب ؟ قال: تعفو عن أخيك قال: يا رب فإني قد عفوت عنه قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة ". الحديث بطوله أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله، والحاكم في المستدرك – وأورده ابن كثير في تفسيره.

    فالمسامح كريم وهو من أهل الفضل الذي يحظى بالجنة دار النعيم الأبدي،ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد :ليقم أهل الفضل ،فيقومون وهم قليل،فيسيرون سراعا إلى الجنة ،فتستوقفهم الملائكة فتقول لهم :من أنتم ؟ فيقولون :نحن أهل الفضل ،فيقولون لهم ،وما فضلكم ؟قالوا :كنا إذا ظُلمنا صبرنا ،وإذا أسيئ إلينا عفونا ،وإذا جهل علينا حلمنا فتقول لهم الملائكة :ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" .

SUBSCRIBE TO OUR NEWSLETTER

Seorang Blogger pemula yang sedang belajar

0 Response to " التسامــــــح"

إرسال تعليق